أقدم قمر صناعي علمي يدور حول الأرض منذ 60 عاما

أقدم قمر صناعي علمي يدور حول الأرض منذ 60 عاما

منذ ما يقرب من 60 عاما، أطلقت البحرية الأمريكية القمر الصناعي "فانغارد 1" ردا على إطلاق الاتحاد السوفيتي للقمر الصناعي "سبوتنيك". وبالرغم من مرور ستة عقود على إطلاقه، فإن القمر "فانغارد 1" لا يزال يدور حول كوكب الأرض.
يتعقب تيم فلورير، محلل النفايات الفضائية، من مكتبه بمركز العمليات الفضائية الأوروبية في مدينة دارمشتات الألمانية، نحو 23 ألف جسم من تلك المدرجة في قائمة الأجسام التي تدور حول الأرض.
وهذه الأجسام هي حصيلة 60 عاما من الاستكشافات الفضائية، بدءا من مركبات فضائية وأقمار صناعية، بعضها يعمل وأغلبها معطل، إلى المراحل التي انفصلت عن الصواريخ متعددة المراحل، وأجزاء من الأجهزة التي استخدمت في الفضاء.
وبالاستعانة ببيانات الرادار من شبكة مراقبة الفضاء الأمريكية، وأيضا نظام الإنذار المبكر للدولة، وملاحظات من أجهزة التليسكوب البصرية، يساعد فلورير في التأكد من أن النفايات الفضائية لن تمثل تهديدا للمركبات الفضائية التي لا تزال تعمل في الفضاء.
وقبل الحديث، طلبت من فلورير أن يتفحّص الجسم الذي يحمل رقم "1958-002 بي"، والمعروف باسم فانغارد 1. وقد أطلق هذا القمر، الذي يبدو في شكل كرة معدنية مضيئة في حجم ثمرة الغريب فروت، في مارس/ آذار من عام 1958، ووضع في مدار بيضاوي مرتفع. ولا يزال يدور حول الأرض في مدار يتراوح ارتفاعه ما بين 650 و3.800 كيلومتر عن سطح الأرض.
يقول فلورير: "دخلت الأقمار الصناعية التي أطلقت قبل فانغارد 1، مثل 'سبوتنيك'، الغلاف الجوي للأرض. ولكنني أتوقع أن يظل فانغارد 1 في هذا المدار لمئات السنوات، إن لم يكن آلاف السنوات".
وقد اقترح معمل أبحاث البحرية الأمريكية مشروع "فانغارد" عام 1955، ليكون أول برنامج قمر صناعي أمريكي. ويتكون نظام "فانغارد" من صاروخ ذي ثلاث مراحل، مصمم لإطلاق مركبة فضائية مدنية لأهداف علمية.
وكان البرنامج المكون من الصاروخ والقمر الصناعي والشبكة الطموحة من محطات تتبع المركبات الفضائية والتواصل معها جزءا من إسهامات الولايات المتحدة في مشروع السنة الجيوفيزيائية الدولية، وهو برنامج علمي دولي لجمع البيانات عن القوى المؤثرة على كوكب الأرض من حول العالم امتد من عام 1957 إلى عام 1958. وشاركت في هذا المشروع 67 دولة، من بينهم دول الكتلة السوفيتية والدول الغربية، التي كانت تسمى طرفي الستار الحديدي.
تقول أنجيلينا كالاهان، المؤرخة بمعمل أبحاث البحرية الأمريكية: "لم يكن سباقا فضائيا حقيقيا، فقد كانت الولايات المتحدة دائما تعلن عن خططها لإطلاق أقمار صناعية والأغراض التي ستستخدم هذه الأقمار من أجلها بصراحة ووضوح، في حين كان الاتحاد السوفيتي شديد الحذر، وكانت خططه وتجاربه محاطة بستار من السرية والكتمان".
ولهذا، كان خبر إطلاق الاتحاد السوفيتي للقمر الصناعي "سبوتنيك" في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1957، صادما. تقول كالاهان: "كان السبب الرئيسي لخيبة الأمل التي أصابت فريق القمر الصناعي الأمريكي بعد إطلاق القمر 'سبوتنيك' هو أن شركاءهم في هذا المشروع الدولي لم يفصحوا عن اعتزامهم إرسال قمر صناعي إلى الفضاء".
يقول توم لاسمان، أمين قسم صواريخ الحرب الباردة بالمتحف الوطني للطيران والفضاء التابع لمؤسسة سميثسونيان، بالعاصمة الأمريكية واشنطن: "أثار إطلاق القمر الصناعي سبوتنيك حالة من الذعر".
ويتابع لاسمان: "بعد إطلاق سبوتنيك، أدرك القادة العسكريون أن الاتحاد السوفيتي قد يشن هجوما صاروخيا على الولايات المتحدة". وفي الأسابيع اللاحقة تصاعدت ضغوط إدارة الرئيس الأمريكي أيزنهاور على فريق معمل أبحاث البحرية الأمريكية لإطلاق القمر الصناعي الأمريكي بأسرع وقت ممكن.
وفي السادس من ديسمبر/ كانون الأول 1957، تحولت أول محاولة لإطلاق مركبة الاختبار فانغارد "تي في 3" إلى حدث شعبي ضخم، حيث اجتمع السياسيون والقادة العسكريون ووسائل الإعلام العالمية في كيب كانافيرال، بولاية فلوريدا، لمشاهدة إطلاق القمر الصناعي الأمريكي، في حين لم يعلن الاتحاد السوفيتي عن إطلاق القمر سبوتنيك، إلا بعدما وصل إلى المدار بنجاح.
وبعد تأخير العد التنازلي للإطلاق عدة مرات، ارتفع الصاروخ "فانغارد" في الساعة 11:44 عن منصة الإطلاق، وبعد بضع ثوان، سُمع صوت صياح من غرفة التحكم: "احذروا! يا للكارثة!".
فلم يكد يرتفع الصاروخ أربعة أقدام في الهواء، حتى هوى إلى الأرض محدثا كرة من اللهب. إلا أن قمة الصاروخ مخروطية الشكل التي تحمل القمر الصناعي لم تصب بأذى، وكان القمر الصناعي فانغارد يصدر إشارات صوتية.
ووصفت جريدة نيويورك تايمز الانفجار بأنه "صفعة قوية لهيبة الولايات المتحدة"، وقال عنه السيناتور ليندون جونسون إنه "مهين للكرامة". وسرعان ما أصبح القمر الصناعي مثار سخرية من الصحف القومية التي أطلقت عليه مسميات مختلفة من قبيل التندر والاستهزاء.
إلا أن هذا إجحاف بحق فريق المعمل الوطني للبحرية الأمريكية. تقول كالاهان: "تنطوي عملية البحث والتطوير الناجحة على الكثير من الإخفاقات. وقد تعلم فريق المعمل الوطني للبحرية الأمريكية من هذه الإخفاقات، وطور نظاما رائعا".
واغتنم فيرنر فون براون، مهندس الصواريخ البارز الذي كان يعمل في الجيش النازي سابقا، فرصة إخفاق القمر الصناعي، لتلبية تطلعاته المتعلقة بإطلاق شيء ما، أيا كان، إلى الفضاء. وبدعم من الجيش الأمريكي، طور الصاروخ "جوبيتر"، الذي يعد الشكل المعدّل لصاروخ "في-2" البالستي الألماني من تصميم فان براون.
ويقول لاسمان: "أصبحت الأولوية إطلاق أي شيء في الفضاء بأسرع وقت ممكن".
وفي يناير/ كانون الثاني عام 1958، نجح أحد صواريخ "جوبيتر" التي طورها فون براون، في نقل القمر الصناعي "إكسبلورير 1" إلى المدار المحدد حول الأرض. وقد صمم معمل الدفع النفاث في باسادينا، بولاية كاليفورنيا، ذلك القمر الجديد، وصنعه في ثلاثة أشهر فقط.
وتضمن أول قمر صناعي أمريكي، "اكسبلورير 1"، جهازا للكشف عن الأشعة الكونية لقياس الإشعاعات الفضائية. وقد كشف هذا الجهاز الذي صممه جيمس فان آلن، من جامعة ولاية ايوا، عن حزام إشعاعي من الجزيئات المشحونة يحجزه المجال المغناطيسي للأرض في مكانه، وباتت هذه الظاهرة تعرف باسم "أحزمة فان آلن".
وأخيرا، جاء دور فريق معمل أبحاث البحرية الأمريكية، وفي 17 مارس/ آذار، 1958، أطلق معمل أبحاث البحرية الأمريكية صاروخ "فانغارد" نحو السماء الصافية، حاملا على متنه القمر الصناعي "فانغارد 1" إلى المدار. وسرعان ما أرسل هذا القمر الصناعي الصغير الإشارات اللاسلكية الأولى إلى الأرض.

ولأن "فانغارد 1" كان أول قمر صناعي يعمل بالطاقة الشمسية، فقد استمر في إرسال البيانات إلى الأرض حتى عام 1965، في حين توقف "إكسبلورير" عن إرسال إشارات بعد بضعة أشهر.
وبالرغم من أن "فانغارد 1" لم يكن أول قمر صناعي أمريكي، فإنه يعد إنجازا لافتا. فقد أثبت برنامج فانغارد نجاح نظام إطلاق الأقمار الصناعية الجديد، وشبكة محطات متابعة المركبات الفضائية من الأرض والخلايا الشمسية، وفوق ذلك أظهر أن الأرض منتفخة حول خط الاستواء، في ما يسمى بالانتفاخ الاستوائي.
وقدم القمر الصناعي "فانغارد 1"، الذي يحوي جهازا لقياس كثافة الغلاف الجوي، أول قياسات تظهر رقة الطبقة الخارجية للغلاف الجوي للأرض، وقدّر عدد النيازك الدقيقة المحيطة بالأرض، وكل هذه المعلومات كانت ضرورية للمركبات الفضائية اللاحقة. ولأن هذا المشروع من تمويل الجيش الأمريكي، فقد أُخذت هذه المعلومات في الحسبان لتقدير مسارات الصواريخ البالتسية العابرة للقارات بدقة.
لقد ترك فريق المعمل البحثي للبحرية الأمريكية، من خلال تصنيع "فانغارد 1"، إرثا نافعا ودائما في مجال الاستكشافات الفضائية. إذ صُممت الصواريخ الناقلة "دلتا"، التي تعد واحدة من أنجح المركبات الفضائية المعدة لنقل الحمولات إلى الفضاء في العالم، على غرار النظام الصاروخي "فانغارد".
فضلا عن أن متابعة القمر الصناعي على المدى الطويل تعين العلماء على فهم تأثير الغلاف الجوي للأرض على الأقمار الصناعية، والسبب في تناقص المسافات بين الأجسام التي تحوم في الفضاء في مدارات مع مرور الوقت.
والأهم من ذلك، كشف لنا "فانغارد 1" عن إمكانيات الأقمار الصناعية التي نعتمد عليها جميعا الآن.
تقول كالاهان: "أعد معمل أبحاث البحرية الأمريكية تقريرا سريا عن الأقمار الصناعية التي ستحتاجها البحرية الأمريكية في العقود المقبلة، وكان من بينها الأقمار الصناعية التي تستخدم لرصد الأحوال الجوية، والملاحة، والاتصالات والاستطلاع، واختتم التقرير بعرض جميع الطرق والأساليب المطلوبة لتنفيذ هذه الأنظمة".
وبعد ستين عاما، تحولت هذه الأساليب والتنبؤات إلى حقيقة، ويرجع الفضل في ذلك إلى القمر "فانغارد 1" الذي مهد الطريق لهذه الإنجازات، والفريق الذي صنع هذا القمر الصناعي.
يقول لاسمان: "حقق هذا البرنامج نجاحا استثنائيا. وحتى هذه اللحظة لدينا نموذجان من فانغارد، أحدهما في المتحف، والآخر يدور حول الأرض في الفضاء، إنه تجسيد للماضي".

شارك الخبر اون لاين


تعليقك علي الخبر